Wednesday, November 25, 2009


هذه القصة كتبت منذ خمسة عشر عاما .. وهى تشبه الى حد كبير ألف ليلة فى فحواها ومبتغاها .. غير أن أجمل ما أعتز به وأفخر أن دينا ابنتى هى من قامت برسم المواقف كلها بريشتها واحساسها .. أدعو الله أن تعجبكم
:وهى بعنوان
*
أ*********** ألاعيب الزمان والملك سلمان
*


(1)أ 1**************** ) )

.. يحكى أنه كان .. فى قديم الزمان .. وسالف العصر والآوان .. ملك اسمه سلمان
وكان هذا الملك عظيم الجاه والسلطان .. تهابه الملوك والفرسان .. عريض المجد والشهرة .. شديد البأس والقدرة .. يعيش فى رغد وفير .. ومال كثير .. وملك ليس له ندّ ولا نظيرلكنه كان طاغيا .. يجوب الجوار غزوا وفتحا .. فانكسرت له أعناق الرجال .. ودانت اليه الأنحاء .. ولانت اليه الأنواء
وكان هذا الملك شديد الاعتقاد فى شهريار .. يعشق مساءه وليله .. ويغدر اذا طلع النهار .. لكنه لم يكن يهوى النساء .. وإنما يهوى الفن والغناء .. وقضاء الليل بعد العناء .. بين صنوف الأنغام والألحان .. ومراثى الهوى والأشجان .. ومن حوله يجلس موسيقيوه ومغنيوه.. يأتون ايه من كل واد .. ومن سائر البلاد .. فلا يفتأون فى الإنشاد .. وضرب الأوتار.. الى الأسحار
حتى جاء يوم .. ملأه فيه الضجر .. واستبد به الشرر .. وطغا به الملك فكفر .. وضاق بكل معيد .. والغير جديد .. فكان إن جاءه مريد اذا طلب .. واذا طلب فقد وجب .. ولم يأته بالمبتكر الفريد .. يذهب عنه الطرب .. ويحتويه الغضب .. ويأمر بالمريد .. فينفوه الى واد بعيد
وهكذا حتى خاف العباد .. وضاع الفن فى البلاد .. فصار أرباب الألحان لايفصحون عن هويتهم .. ولايصارحون بشخصيتهم .. يتخفون فى صورة الصناع .. وثياب المهرة والزراع .. الى أن جاء يوم دق فيه باب العرش كائن .. يطلب لقاء الملك سلمان
ولما كانت هذه هى الحال .. وخيبة الرجاء والمنال .. حاول الحراس أن ينصحوه .. وعن البلاء يمنعوه .. ومن المصير يحذروه ..حتى أعيتهم الحيلة .. ولم يجدوا الوسيلة .. فلما رأوه طيب السحنة .. بسيط المحنة .. أخبروا الملك بأمره .. فطلب مثوله لفوره
ويقال فيما يقال والله أعلم بغيبه وأحكم .. أنه لما أذن له الملك بالدخول .. دخل فحيا .. وقبل الأرض بين يدى الملك .. غير أنه لما قام .. وقع نظر الملك عليه .. وقد خال انه الفتى المأمول .. انعقد لسانه من الدهشة والذهول .. لفرط غرابته .. وغياب عمامته .. وضياع عباءته .. واستمر على هذا الحال برهة .. حتى راحت السكرة .. وجاءت الفكرة .. وعندئذ سأله
يافتى .. من تكون ؟ -
أنا يا مولاى أمير الفنون -
أمير ؟ ( يضحك كثيرا ) .. وهل يلبس الأمير ملابس الدراويش ؟ -
يضحك ) أغلب الظن أنك أتيت لتدخل البشر والفرح على قلب مولاك)
وهاأنت أيها الفتى الغريب قد فعلت
ثم يسكت الضحك عنه لوهلة .. فيتأمل الفتى ويقول ) ولكن هذه ليست ثيابا معروفة )
(ولامألوفة فمن أى البلاد أنت ؟ هل من الحاضرين من يعرف ؟ ( ينظر الجميع فى دهشة
حلمك يامولاى .. فأنا لست من زمانكم .. ولاعصركم ولا آوانكم -
أمرك غريب يا فتى .. فمن أى البلاد أنت ؟ -
أنا من مصر يا مولاى -
مصر الأهرام ؟ -
لا يا مولاى .. مصر لم تعد فى هذه الأيام بلاد الأهرام .. والطرب والندام -
مصر أصبحت مصر أكتوبر -
مصر ماذا؟ -
أنه شئ حدث فى عصر السبعين .. ونحن الآن فى عصر التسعين .. وليس فى عصرنا قصور ولا -
أنه شئ من العسير وصفه
تقول ليست هناك قصور .. عجباً .. فكيف تكون أميراً ؟ -
إذا سمح لى مولاى .. أحكى له عن أمرى .. وأصف له ماذا فى عصر التسعين -
إذن فافعل .. ستجدنى كلى آذانا صاغية -
أنا يا مولاى أمير بلا قصر .. ولانهى ولا أمر .. فلاأعجب إذ تنظرونى مندهشين .. أين أنا بين الملوك -
والسلاطين ؟ فى عصر -التسعين .. حيث لاخدم ولاحشم ولامعين .. إلا العمل وعرق الجبين .. والقصر العظيم هو ذو حجرات ثلاث .. قليل الحواء والاثاث .. غير أن الحصول على هذا القصر .. هو درب من معجزات العصر .. وهو فى زمان ألف ليلة السبع بحار .. والتنين والنار .. يقولها اللسان قصر .. بكل يسر .. وكل رقّة .. واسمه فى زماننا شقّة ..فلا يمتطى صهوة الجواد اليها إلا كل جبار عنيد .. وكل فارس عتيد .. يحمل قنطار مال .. ويقسم على مواجهة الأهوال .. ولقاء المحال .. ويلقى بنفسه غير مبال .. فينطلق والله يرعاه .. ويسدّد خطاه .. أو يعود بخفى حنين .. وقد راح الشمال واليمين .. فلا ماء يرويه .. ولامكان يأويه .. ولا حبيب يداويه ..أما إذا أصاب نصرا .. وحدث وامتلك قصرا .. فإنه يعود عودة المظفرين .. مفروشة أرضه بالرياحين .. تختال من حوله الفاتنات .. والمحبين والمحبات .. ويكتب له التبات والنبات .. والأولاد أيضا والبنات .. من هنا .. كان ذلك العمل العسير .. صاحبه يولى .أمير
لكننى يا مولاى أمير من نوع آخر .. فسراياى حافلة بالفنون .. من كل جنس وصنف ولون .. وجوانب قصرى رسوم وألوان .. ونقوش ودهان .. أما خدمى وحشمى فمن أقلام الجان .. التى جعلت قصرى زهرة من كل بستان ..فالقلم الجنى يكتب الشعر والنثر .. وينقش على الورق والصخر .. ويسطر أنغام الهوى والهجر .. حتى قامات قلعة للفن .. واصبحت الإمارة .. فى العزف على القيثارة .. واتقان اللسان والعبارة .. وإخراج الجديد .. والقليل المفيد .. والتطوير الفريد .. فى عصر التسعين ..عجباً .. أو تقترض النثر والشعر ؟ -
إن يسمح لى مولاى .. أحكى له عن بدوية فى القرن العشرين -
القرن العشرين ؟ -
وعصر التسعين -
أذن .. هات ما عندك .. ولكن .. مهلا .. هل هو شعر كما نألف ونفهم ؟ أم هو اختراع -
من عصر التسعين ؟
والله يا مولاى هى أصدق ما عندى .. وهى عوان بين الشعر والنثر -
عوان ؟ إن بين الشعر والنثر .. شتان -
نعم يا مولاى .. إنما على البيان .. وعليك الميزان .. فهى مقفاة مزجاة .. سيسرك إياها -
وقد رأيت إن اضبط ميزانها .. ضاع فحواها
لابأس .. ولاعجب فكل شئ فى هذه الليلة غريب .. اسمعنى -

(يتبع)